مريم الخاطر تكتب: (الحروب الرمادية والمرتزقة الإلكترونيون)

 

 

يشهد العالم تزايدا في الصراعات الرمادية، فهل نتحدّث، في عرف الأرض، عن جيوش نظامية أم مرتزقة؟ أم نتحدث، في عرف الفضاء، عن جيوش إلكترونية أم أسلحة دمار شامل عابرة للقارات؟ إذ لم تعد الصراعات على مستوى الأقطاب الدولية في حروبٍ ساخنة أو باردة فقط، بل باتت مشفّرة إلكترونيا حتى بين الدول المتحالفة في النطاق الجغرافي أو السياسي نفسه، بل في أزمات الأخوة التي أصابتها العدوى الرمادية، فتفوقت على الأصل.

نؤمن حتما بأهمية إدارة الذكاء الاصطناعي في العصر الرقمي، بمختلف أشكاله، ولكن يجب ألا يكون كلمة الحق التي يراد بها الباطل، فقد استغلته بعض الحكومات، لخدمة أهدافها السياسية من نشر البروباغندا، أو التحكم والتلاعب بنتائج الاستطلاعات، وترويج مواقع معينة بالتضخيم الرقمي، وإيجاد حسابات وهمية لنشر معلومات مضللة أو تسميم الوسوم لحرف مسار الرأي العام.

 ليس خطأ في العصر الرقمي أن تنشئ الدول جيشا إلكترونيا؟ فالفضاء السيبراني يعادل التسلّح البري والبحري والجوي، وفقا لمنظومتي الردع والدفاع والرد.. الخطأ الفعلي أن تنشئ جيش مرتزقة لممارسة الإجرام، حتى لو كان إلكترونيا. حروب الارتزاق وجرائم الحرب مرفوضة دوليا.

 دعونا نبدأ في ما ليس خطأ لنعرّج بعده على الخطأ، ونحتكم لجهود بذلتها اتحادات دفاعية دولية في مخاطر هذه الصراعات الرمادية وتحدياتها.

 وصف رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، ونستون تشرشل، وهو في نشوة النصر في الحرب "الفضاء السيبراني يعادل التسلّح البري والبحري والجوي وفقا لمنظومتي الردع والدفاع والرد" العالمية الثانية، "الحرب الإلكترونية" بأنها "الدرع والسيف"؟ فهل كان وعيا مبكرا أو استشرافا لمنظومة دفاعية جمعية متأخرة؟ وقد فطنت الدول، أخيرا، إلى أن مهمة التسلح الإلكتروني، كما عناها تشرشل، مزدوجة (دفاعية وهجومية) حتى باتت ضمن الاستراتيجيات الوطنية للدول وجزءا من موازاناتها الرسمية التي تلحقها غالبا بوزارات الدفاع. ففي ألمانيا، أعلنت وزيرة الدفاع، أورسولا ديرلاين، يوم 6 أبريل/نيسان 2017، عن تكوين جيش إلكتروني، وحدة مستقلة داخل الجيش الألماني، إلى جانب القوات البرية والبحرية والجوية، والذي لن يقتصر على صد هجمات القرصنة، بل سيرد عليها أيضا في ساحة المعركة "الإنترنت"، في حال تعرّض شبكات الجيش الألماني للهجوم.

وفي بريطانيا، نوه وزيرا الدفاع والدولة للشؤون الأمنية البريطانيان، في مؤتمر لندن Cyber 17 في يوليو/ تموز 2017، إلى حرص حكومتهما على التصدّي للهجمات الإلكترونية من خلال "الخطة الاستراتيجية الوطنية لأمن المعلومات" لتشمل الدفاع، الردع والتطوير، بموازنة قدرت بمبلغ 1.9 مليار جنية استرليني. كما عزّزت روسيا وكوريا الشماليه قدراتهما الإلكترونية في الآليتين الدفاعية والهجومية. وأنشأت إيران الجيش السيبراني عام 2010 من فرق هاكرز مدربين، في أعقاب تعرض البلاد لهجمات دودة الحاسوب، وفي أعقاب مواجهة الحكومة مظاهرات المناهضين للتزوير في انتخاب أحمدي نجاد رئيسا عام 2009 فيما عرفت "الحركة الخضراء".

 وعلى المستوى الدولي، رصد برادشاو وهاورد من جامعة أكسفورد، في دراستهما في 2017، الدول التي تستخدم جيوشا إلكترونية، وفقا لمعلومات تم رصدها منذ 2010 إلى 2017، منها أميركا وأستراليا والصين والهند والمحتل الإسرائيلي (يعد الأعلى دوليا) وسورية والسعودية والبحرين، علما أن إدارة هذه الجيوش في بعض الدول تتبع مكتب رئيس الوزراء أو وزارة الدفاع. وخليجيا، أنشأت المملكة العربية السعودية "الهيئة الوطنية للأمن السيبراني"، لتوحيد الجهود تحت مظلة واحدة، تجمع أهم قطاعات الدولة الأمنية تحت سقف واحد (وزارة الدفاع، وزارة الداخلية، الاستخبارات العامة، ورئاسة أمن الدولة).

 هناك سبق احترازي لدى بعضهم، أمّا الاخرون فتأتي آلياتهم رد فعل، على الرغم من أن الأمر يقتضي الحذر. إذاً أين الخطورة؟ إنها تكمن في حال استخدام هذه الجيوش عكسيا في الأعمال التخريبية، مثل القرصنة، واختراق المواقع الشهيرة، ونشر الفبركات، وتزوير الحقائق، بغرض شن حرب وإرباك الأوضاع وإضعاف معنويات الخصم.

 وهذا ما حدث، ليس حديثا في اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية الإلكتروني، وفبركة أخبار كاذبة على "تويتر"، منذ 24 مايو/ أيار 2017 لبث الصراع الخليجي، بل حصل، قبل ذلك أيضا، عندما اخترق موقع وكالة أسوشييتد برس الأميركي في 23 أبريل/ نيسان 2013 لنشر خبر كاذب على "تويتر" عن انفجارٍ وقع في البيت الأبيض، وجرح الرئيس الأميركي السابق، بارك أوباما. وعلى الرغم من أن الخبر اتضحت فبركته بعد فترة قصيرة، إلا ان آثاره كانت خطيرة، فقد انخفض مؤشر داو جونز 125 نقطة، قبل أن يعاود الارتفاع.

 ورأى رئيس شركة مايكروسوفت العملاقة، براد سميث، السيناريو الأسوأ، حيث سيتحكم "دخل العالم برمته في حربٍ على بعضه، بل على ذاته" قراصنة بالأسلحة التقليدية أو النووية، أو بالقواعد العسكرية والأقمار الصناعية ومحطات الطاقة. وهو سيناريو عالجته سينما هوليود، فيما اعتبر"فانتازيا". ولكن خبراء يؤكدون أنها تنطلق من وقائع علمية ممكنة الحصول. لذلك على الحكومات التعامل مع الهجوم الإلكتروني على أنه ناقوس خطر.

قد تتجاوز الحرب الرمادية على منصات التواصل الاجتماعي من الجيوش الإلكترونية أيضا ما سبق من جرائم إلى التبليغ عن الحسابات الحقيقية ذات المصداقية كذبا، والسعي إلى وقفها نهائيا، لدفع الخصم إلى الصمت بأي وسيلة. حتى لا يسود إلا المرتزقة وأدواتهم "الكذب". الغريب عالميا أنه، على الرغم من أن الجرائم الإلكترونية مكشوفة، إلا أنها غير مواجهة، أو مجرّمة دوليا.

وقد كشفت دراسة أكسفورد وغيرها مواطن القوة في التجييش الإلكتروني الرسمي، لكنها وضعت اليد أيضا على الجرح في الجيوش نفسها، برصد الاستخدامات الحكومية للجان الإلكترونية والحسابات المزورة الوهمية، بل ورصد استراتيجياتها وتكنيكها وطرقها، في سوء استغلال وسائل التواصل الاجتماعي.

 وقد دخل العالم برمته في حربٍ على بعضه، بل على ذاته، فما هو هذا الاختراع ذو الحّدين الذي عزّز حدّا واحدا فقط، بل شرخا من الصراع والحرب ولغة الكراهية؟ وماذا نسميه في العرف العسكري؟ نوّهت إليزابيث برو في "التايمز" البريطانية إلى خطورة حروب المفاهيم، فوفق التعريفات العسكرية، فإن الحرب هي "الصراع على الأراضي".

وفي الحرب الإلكترونية "لا يعبر المخترق أو جندي المعلومات الحدود حاملا أسلحة فلا تسمى حربا". لذلك أكدت حقيقة أن "زعزعة استقرار دولة أخرى من خلال الاختراق الإلكتروني مثل عدائية نشر قوات عسكرية على طول حدودها". وطالبت، بناء على ذلك، بوضع تعريفٍ جديد للحرب. وللخطورة نفسها، وافق وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في قمة وارسو في 2016، على ترقية الفضاء الإلكتروني إلى المجال التشغيلي، ما يمنحه أهمية المجالات الجوية والبحرية والبرية.

ووصف الأمين العام للحلف، ستولتنبرغ، الفضاء الإلكتروني بأنه جزء من منظومة "الدفاع الجمعي"، لكنه وجّه بأن المادة الخامسة في معاهدة تأسيس "الناتو" لسنة 1949 التي تحدّد مبادئ الدفاع الجمعي تتحدث فقط عن "هجوم مسلح". كما قالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن الولايات المتحدة بحاجة إلى "خريطة أكثر تفصيلا لرسم المسافة الفاصلة بين الحرب والسلام".

وعليه، تجب الاستجابة بشكل أكثر صرامة للحروب الرقمية، والتجاوب مع هجمات القرن الـ 21 التي تحتم إعادة تعريف "الحرب" ومبادئ "الدفاع الجمعي"، وهذا ما يقتضي التصرف الدولي الجاد تجاه سلاح الجرائم الرقمية.

 

 

 

 

عداد الزوار

اليوماليوم625
الامسالامس659
الاسبوع الحاليالاسبوع الحالي2615
الشهر الحاليالشهر الحالي16234
عدد الزوار الكليعدد الزوار الكلي635767

استطلاع الرأي

ما تقييمك لوضع حرية الصحافة والتعبيـر في السودان؟

جيد - 72.7%
ضعيف - 18.2%
سيء - 9.1%

صورة اليوم

مواقع ذات صلة

اتصل وتواصل

  •   البريد الالكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  •   الهاتف:00249157796153